ابن تيمية

47

مجموعة الرسائل والمسائل

وقال تعالى ( وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أينما يوجهه لا يأت بخير ، هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم ؟ ) وهذا مثل آخر فالأول مثل العاجز عن الكلام ، وعن الفعل الذي لا يقدر على شيء ، والآخر المتكلم الآمر بالعدل الذي هو على صراط مستقيم ، فهو عادل في أمره ، مستقيم في فعله ، فبين أن التفضيل بالكلام المتضمن للعدل والعمل المستقيم ، فإن مجرد الكلام والعمل قد يكون محموداً ، وقد يكون مذموماً . فالمحمود هو الذي يستحق صاحبه الحمد ، فلا يستوي هذا والعاجز عن الكلام والفعل . وقال تعالى ( ضرب لكم مثلاً من أنفسكم هل لكم مما ملكن أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون ) يقول تعالى : إذا كنتم أنتم لا ترضون بأن المملوك يشارك مالكه لما في ذلك من النقص والظلم ، فكيف ترضون ذلك لي وأنا أحق بالكمال والغنى منكم ؟ وهذا يبين أنه تعالى أحق بكل كمال من كل أحد ، وهذا كقوله ( وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً وهو كظيم ، يتوارى من القوم من سوء ما بشر به ، أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ؟ ألا ساء ما يحكمون ، للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم ، ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ، ويجعلون لله ما يكرهون ، وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون ) حيث كانوا يقولون : الملائكة بنات الله ، وهم يكرهون أن يكون لأحدهم بنت فيعدون هذا نقصاً وعيباً ، والرب تعالى أحق بتنزيهه عن كل عيب ونقص منكم ، فإن له المثل الأعلى . فكل كما ثبت للمخلوق فالخالق أحق بثبوته منه إذا كان مجرداً عن النقص ، وكل ما ينزه عنه المخلوق